فصل: وثبة أبي تاشفين بيحيى بن خلدون كاتب أبيه

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: تاريخ ابن خلدون المسمى بـ «العبر وديوان المبتدأ والخبر في أيام العرب والعجم والبربر ومن عاصرهم من ذوي السلطان الأكبر» **


  الخبر عن وصول خالد بن عامر من المغرب والحرب التي دارت بينه وبين سويد وأبي تاشفين

هلك فيها عبد الله بن صغير وإخوانه لما بلغ خالد بن عامر بمكانه من المغرب خبر عبد الله ابن أخيه صغير قفل من المغرب يئساً من مظاهرة بني مرين فخفق السعي في صريخه بهم لما كانوا عليه من افتراق الأمر كما ذكرناه قبل‏.‏ووصل معه ساسي بن سليم في قومه بني يعقوب ولظاهر حيان على العيث في بلاد السلطان أبي حمو‏.‏واجتمع إليهم أبناء الفتنة من كل أوب وأجلبوا على الأطراف وشنوا الغارة في البلاد‏.‏وجمع أولاد عريف لحربهم قومهم من ويد وأحلافهم من العطاف وبعثوا بالصريخ إلى السلطان فسرح لحرب عدوه وعدوهم ابنه أبا تاشفين ولي عهده في قومه وبرز لذلك في العساكر والجنود‏.‏ولما انتهى إلى بلاد هوارة واضطرب معسكره بها أعجله صريخ أوليائه من مناخ الركاب فاستعجل الرحلة ولحق بأوليائه أولاد عريف ومن معهم من أشياع الدولة من زغبة‏.‏وأغذ السير إلى وادي مينا بشرقي القلعة فتراءى الجمعان وتواقفوا للقاء سائر يومهم‏.‏واستضاءوا بإضرام النيران مخافة البيات وأصبحوا على تعبية‏.‏وتمشت الرجالات في مواضعة الحرب فأعجلهم مناشبة القوم وتزاحفت الصفوف وأعلم الكماة وكشفت الحرب عن ساقها وحمي الوطيس وهبت الريح المبشرة فخفقت لها رايات الأمير وهدرت طبوله‏.‏ودارت رحى الحرب وصمدت إليها كتائب العرب فتردى فيها الأبطال منهم وانكشفوا وأجلت المعركة عن عبد الله بن صغير صريعاً فأمر أبو تاشفين فاجتز رأسه وطير به البريد إلى أبيه‏.‏ثم عثرت المراكب بأخيه ملوك من صغير مع العباس ابن عمه موسى بن عامر ومحمد بن زيان من وجوه عشيرهم متواقعين لجنوبهم متضاجعين في مراقدهم كأنما اتعدوا للردى فوطئتهم سنابك الخيل وغشيهم قتام المواكب‏.‏وأطلقت العساكر أعنتها في أتباع القوم فاستاقوا نعمهم وأموالهم‏.‏وكثرت يومئذ الأنفال وغشيهم الليل فتستروا بجناحه‏.‏ولحق فلهم بجبل راشد واضطرب أبو تاشفين ابنتيه بمنتهى ظهوره وملأه السرور بما صنع الله على يده وما كان له ولقومه من الأثر في مظاهرة أوليائه‏.‏وطار له بها ذكر على الأيام ورجع إلى أبيه بالحضرة مملوء الحقائب بالأنفال والجوانح بالسرور والأيام بالذكر عنه وعن قومه ومضى خالد لوجهه في فل من قومه‏.‏ولحق بجبل راشد إلى أن كان من أمره ما نذكره إن شاء الله‏.‏والله أعلم‏.‏

  الخبر عن انتقاض سالم بن إبراهيم ومظاهرته خالد في عامر على الخلاف وبيعتهما للأمير أبي زيان

ثم ملك خالد ومراجعة سالم الطاعة وخروج أبي زيان إلى بلاد الجريد كان سالم بن إبراهيم هذا كبير الثعالبة المتغلبين على فحص متيجة منذ انقراض مليكش وكانت الرياسة فيهم لأهل بيته حسبما ذكرناه في أخبارهم عند ذكر المعقل‏.‏ولما كانت فتنة أبي زيان بعد نكبة أبي حمو على بجاية وهبت ريح العرب واستغلظ أمرهم كان سالم هذا أول من غمس يده في تلك الفتنة ومكر بعلي بن غالب من بيوتات الجزائر كان مغرباً عنها من لدن تغلب بني مرين على المغرب الأوسط أيابم أبي عنان‏.‏ولحق بها عندما أظلم الجو بالفتنة واستحكمت نفرة أهل الجزائر عن أبي حمو فأظهر بها الاستبداد واجتمع إليه الأوشاب والطغام‏.‏ونكره سالم أمير الضاحية لطمعه في الاستيلاء على الجزائر فداخل في شأنه الملأ من أهل المدينة وحذرهم منه أنه يروم لدعوة للسلطان أبي حموة فاستشاطوا نفرة وثاروا به حتى إذا رأى سالم أنه قد أحيط به وتخلصه من أيديهم وأخرجه إلى حيه وأتلفه هنالك‏.‏وحول دعوة الجزائر إلى الأمير أبي زيان تحت استبداده حتى إذا كان من أمر بني مرين وحلول السلطان عبد العزيز بتلمسان ما قدمناه أقام دعوتهم في الجزائر إلى حين مهلكه ورجوع أبي حمو إلى تلمسان‏.‏وأقبل حينئذ جيش أبي زيان إلى تيطرى فأقام سألم هذا دعوته في أحيائه وفي بلد الجزائر خشية على نفسه من السلطان أبي حمو لما كان يعتمد عليه في الإدالة من مره بالجزائر بأمر ابن عمه‏.‏ولما كان من خروج أبي زيان إلى أحياء رياح على يد محمد بن عريف ما قدمناه واقتضى سالم عهده من السلطان وولي ابنه على الجزائر أقام سالم على أمره من الاستبداد بتلك الأعمال واستضافة جبايتها لنفسه‏.‏وأوعز السلطان إلى عماله باستيفاء جبايتها فاستراب وبقي في أمره على المداهنة‏.‏وحدثت إثر ذلك فتنة خالد بن عامرة فتربص دوائرها رجاء أن يكون الغلب له فيشتغل السلطان عنه‏.‏ثم بدا له ما لم يحتسب وكان الغلب للسلطان ولأوليائه‏.‏وكان قد حدثت بينه وبين محمد بن عريف عداوة فخشي أن يحمل السلطان على النهوض إليه بادر بالانتفاض على أبي حمو‏.‏واستقدم الأمير أبا زيان فقدم عليه وجأجأ بخالد بن عامر والمخالفين معه من العرب فوصلوا إليه أول سنة ثمان وسبعين وعقد بينهم حلفاً مؤكدا وأقام الدعوة للأمير أبي زيان بالجزائر‏.‏ثم زحفوا إلى حصار مليانة وبها حامية السلطان فامتنعت عليهم ورجعوا إلى الجزائر فهلك خالد بن عامر على فراشه ودفن بها‏.‏وولي أمر قومه من بعده المسعود ابن أخيه صغير ونهض إليهم السلطان أبو حمو من تلمسان في قومه وأوليائه من العرب فامتنعوا بجبال حصين‏.‏وناوشتهم جيوش السلطان القتال بأسافل الجبل فغلبوهم عليها وانفضت الناجعة عنهم من الديالم‏.‏العطاف وبني عامر فلحقوا بالقفر‏.‏ورأى سالم وأصحابه أن قد أحيط بهم فلاذ الطاعة وحمل عليها أصحابه‏.‏وعقد لهم السلطان من ذلك ما أرادوه على أن يفارقوا الأمير أبا زيان ففعلوا‏.‏وارتحل عنهم فلحق ببلاد ريغ ثم أجازها إلى نفطة من بلاد الجريد ثم إلى توزر فنزل على مقدمها يحيى بن يملول فأكرم نزله وأوسع قراه إلى أن كان من أمره ما نذكر‏.‏ورجع السلطان أبو حمو إلى تلمسان وفي نفسه من سالم حزازة لكثرة اضطرابه ومسارعته إلى الفتن حتى توسط فصل الشتاء وأبعدت العرب في مشاتيها فنهض من تلمسان في جيوش زناتة وأغذ السير فصبح فحص متيجة بالغارة الشعواء‏.‏وأجفلت الثعالبة فلحقوا برؤوس الجبال وامتنع سالم بجبل بني خليل‏.‏وبعث ابنه وأولياءه إلى الجزائر فامتنعوا بها وحاصروها أياماً‏.‏ثم غلبوه على مكامنه فانتقل إلى بني ميسرة من نجبال صنهاجة‏.‏وخلف أهله ومتاعه وصار الكثير من الثعالبة إلى الطاعة وأسهلوا بأمان السلطان وعهده إلى فحص متيجة‏.‏وبعث هو أخاه ثابتاً إلى السلطان فاقتضى له العهدة ونزل من رأس ذلك الشاهق إلى ابنه أبي تاشفين فأوصله إلى السلطان إحدى ليالي العشر الأواخر من رمضان فأخفر عهده وذمة ابنه وتقبض عليه صبيحة ليلته‏.‏وبعث قائده إلى الجزائر فاستولى عليها وأقام دعوته بها وأوفد عليه شيختها فتقبض عليهم وعقد على الجزائر لوزيره موسى بن برغوث ورجع إلى تلمسان فقضى بها عيد النحر‏.‏ثم أخرج سالم بن إبراهيم من محبسه إلى خارج البلاد وقتل قعصاً بالرماح ونصب كل‏!‏ لوه وأصبح مثلا في الآخرين‏.‏والبقاء لله‏.‏وعقد السلطان لابنه المنتصر على مليانة وأعمالها ولابنه أبي زيان على وهران‏.‏وراسله ابن يملول صاحب توزر وصهره ابن مزني صاحب بسكرة وأولياؤهما من الكعوب والدواودة لما أهمهم أمر السلطان أبي العباس‏.‏وخافوه على أمصارهم فراسلوا أبا حمو يضمنون له مسالمة أبي زيان على أن يوفي له بما اشترط له من المال وعلى أن يشب نار الفتنة من قبله على بلاد الموحدين ليشغل السلطان أبا العباس عنهم على حين عجز أبو حمو عن ذلك وضعف الدولة عنه‏.‏فأوهمهم من نفسه القدرة وأطمعهم في ذلك‏.‏وما زال يراجعهم ويراجعونه بالمقاربة والوعد إلى أن احيط بابن يملول واستولى السلطان على بلده فلحق ببسكرة وهلك بها لسنة من خروجه آخر سنة إحدى وثمانين‏.‏وبقي ابن مزني من بعده متعللاً بتلك الأماني الكاذبة إلى أن ظهر أمره وتبين عجزه‏:‏ فراجع طاعة السلطان أبي العباس واستقام على الموادعة‏.‏ولحق الأمير أبو زيان بحضرة السلطان بتونس فنزل بها أكرم نزل مؤملاً منه المظاهرة على عدوه‏.‏والحال بالمغرب الأوسط لهذا العهد على ما شرحناه مراراً من تغلب العرب على الضواحي والكثير من الأمصار‏.‏وتقلص ظل الدولة عن القاصية وارتدادها على عقبها إلى مراكزها بسيف البحر وتضاؤل قدرتها عن قدرتهم وإعطاء اليد في مغالبتهم ببذل رغائب الأموال وإقطاع البلاد والنزول عن الكثير من الأمصار والقنوع بالتضريب بينهم والإغراء بعضهم ببعض‏.‏والله ولي الأمور‏.‏

  قسمة السلطان الأعمال بين ولده وما حدث بينهم من التنافس

كان لهذا السلطان أبي حمو جماعة من الولد كبيرهم أبو تاشفين عبد الرحمن‏.‏ثم بعده أربعة لأم واحدة كان تزوجها بميلة من أعمال قسنطينة أيام جولته في بلاد الموحدين كبيرهم المنتصر‏.‏ثم أبو زيان محمد‏.‏ثم عمر ويلقب عمير‏.‏ثم بعدهم ولد كثيرون أبناء علات‏.‏وكان أبو تاشفين ولي عهده وقد رفعه على الباقين وأشركه في أمره وأوجب له الحق على وزراء دولته فكان لذلك رديفه في ملكه ومظهر سلطانه‏.‏وكان مع ذلك يتعاهد أولئك الإخوة الأشقاء بحنوه ويقسم لهم من ترشيحه والنجي في خلوته فيغص أبو تاشفين منهم‏.‏فلما استفحل أمر السلطان وانمحت من دولته آثار الخلاف أعمل نظره في قسمة الأعمال بين ولده وترشيحهم للأمارة والبعد بهم عن أخيهم أبي تاشفين أن يصيبهم مكروهه عند إيناس الغيرة منهم‏:‏ فولي المنتصر كبيرهم على مليانة وأعمالها أنفذه إليها ومعه أخوه عمر الأصغر في كفالته‏.‏وولى أخاهما الأوسط أبا زيان على المدية وما إليها من بلاد حصين‏.‏وولى ابنه يوسف بن الزابية على تدلس ما إليها من آخر أعماله‏.‏واستقر أبوهما على ذلك‏.‏ثم كان من انتقاض سالم الثعالبي بالجزائر ما قدمناه فنمي إلى السلطان أن ابنه أبا زيان داخله في الخلاف فلما فرغ من أمر سالم كما مر وطرد أبا زيان ابن عمه عن أعماله إلى الجريد أعمل نظره في نقل ابنه أبي زيان من المدية إلى ولاية وهران وأعمالها بعداً به عن العرب المجلبين في الفتن وأنزل معه بعض وزرائه عيناً عليه وأقام والياً عليها‏.‏والله أعلم‏.‏

  وثبة أبي تاشفين بيحيى بن خلدون كاتب أبيه

كان أول شيء حدث من منافسة أبي تاشفين لإخوته أن السلطان لما ولى ابنه أبا زيان على وهران وأعمالها طلبه أبو تاشفين في ولايتها لنفسه فأسعفه ظاهراً وعهد إلى كاتبه يحيى بن خلدون بمماطلته في كتابها حتى يرى المخلص من ذلك فأقام الكاتب يطاوله‏.‏وكان في الدولة لئيم من سفلة الشرط يدعى بموسى بن يخلف صحبهم أيام الاغتراب بتيكورارين أيام ملك تلمسان عليهم عبد العزيز ابن السلطان أبي الحسن كما مر‏.‏وخلا له هنالك وجه السلطان أبي حمو وابنه فتقرب إليه بخدمته ورعاها له‏.‏فلما رجع السلطان إلى تلمسان بعد مهلك عبد العزيز قدمه وأثره واستخلصه فكان من أخص بطانته‏.‏وكان أبو تاشفين أيضاً استخلصه وجعله عينا على أبيه‏.‏وكان هو أيضاً يغص بابن خلدون كاتب السلطان ويغار من تقدمه عنده ويغري به أبا تاشفين جهده فدس إليه أثناء هذه المطاولة أن الكاتب ابن خلدون إنما مطله بالكتاب خدمة لأبي زيان أخيه وإيثاراً له عليه فاستشاط لها أبو تاشفين وترصده منصرفه من القصر إلى بيته بعد التراويح في إحدى ليالي رمضان سنة ثمانين في رهط من الأوغاد كان يطوف بهم في سكك المدينة ويطرق بهم بيوت أهل السرو والحشمة في سبيل الفساد فعرضوا له وطعنوه بالخناجر حتى سقط عن دابته ميتاً‏.‏وغدا الخبر على السلطان صبيحة تلك الليلة فقام في ركائبه وبث الطلب عن أولئك الرهط في جوانب المدينة‏.‏ثم بلغه أن ابنه أبا تاشفين صاحب الفعلة فأغضى وطوى عليها جوانحه وأقطع أبا تاشفين مدينة وهران كما وعده‏.‏وبعث ابنه أبا زيان على بلاد حصين والمدية كما كان‏.‏ثم طلب أبو تاشفين بن أبيه أن تكون الجزائر خالصة له فأقطعه إياها‏.‏وأنزل بها من إخوته يوسف بن الزابية بما كان شيعة له من بينهم وفيئة في صحبته ومخالصته فأقام والياً عليها‏.‏والله أعلم‏.‏

  حركة السلطان أبي حمو على ثغور المغرب الأقصى ودخول ابنه أبي تاشفين إلى جهات مكناسة

كان السلطان أبو العباس ابن السلطان أبي سالم ملك بني مرين بالمغرب الأقصى قد نهض في عساكره سنة إحدى وثمانين إلى مراكش وبها الأمير عبد الرحمن بن يويفلوسن ابن السلطان أبي علي مقاسمه في نسبه وملكه‏.‏وكان قد سوغ له مراكش وأعمالها عندما أجلب معه على البلد الجديد سنة خمس وسبعين كما في أخبارهم‏.‏واستقر الأمير عبد الرحمن بمراكش‏.‏ثم حدثت الفتنة بينه وبين السلطان أحمد ونهض إليه من فاس فحاصره أولى وثانية يفرج فيهما عنه‏.‏ثم نهض إليه سنة أربع وثمانين فحاصره وأخذ بمخنقه وأطال الحصار‏.‏وكان يوسف بن علي بن غانم أمير المعقل من العرب منتقضاً على السلطان‏.‏وقد بعث السلطان العساكر إلى أحيائه فهزموه وخربوا بيوته وبساتينه بسجلماسة ورجعوا‏.‏وأقام هو بصحرائه منتقضاً‏.‏فلما جهد الحصار الأمير عبد الرحمن بمراكش بعث أبا العشائر ابن عمه منصور ابن السلطان أبي علي إلى يوسف بن علي بن غانم ليجلب به على فاس وبلاد المغرب فيأخذ بحجرة السلطان وينفس من مخنقه فسار يوسف بن علي مع أبي العشائر إلى السلطان أبي حمو بتلمسان يستنجده على هذا الغرض لقدرته عليه دون العرب بما له من العساكر والأبهة فأنجده على ذلك‏.‏وقدم ابنه أبا تاشفين معهم وخرج هو في أثرهم فساروا إلى المغرب‏.‏ونزل يوسف بن علي بقومه قريباً من مكناسة ومعه الأميران أبو العشائر وأبو تاشفين‏.‏وجاء أبو حمو من خلفهم فحاصر تازى سبعاً وخرب قصر تازروت المعد هنالك لنزل السلطان‏.‏وكان السلطان قد استخلف على فاس في مغيبه علي بن مهدي العسكري من عمال دولته ووجوه قبيله وكان هنالك عرب المنبات من المعقل قد دخلوا للميرة فأهاب بهم ونزمار بن عريف ولي الدولة من عرب سويد وهو نازل بقصر مرادة من أحواز تازى فاستألفهم لمدافعة أبي حمو وابنه‏.‏وخرج بهم علي بن مهدي‏.‏ثم وصل الخبر باستيلاء السلطان على مراكش منتصف خمس وثمانين فأجفل أبو تاشفين وأبو العشائر ومن معهما من العرب‏.‏واتبعهم علي بن مهدي بمن معه من المنبات‏.‏وأجفل أبو حمو عن تازى ومر بمرادة قصر ونزمار فهدمه وعاث فيه وانكفأ راجعاً إلى تلمسان‏.‏وفارق ابنه أبو تاشفين أصحابه أبا العشائر والعرب ولحق بأبيه إلى أن كان ما نذكره إن شاء الله تعالى‏.‏

  نهوض السلطان أبي العباس صاحب المغرب إلى تلمسان واستيلاؤه عليها

واعتصام أبي حمو ولما استولى السلطان أبو العباس على مراكش كما قلناه رجع إلى دار ملكه بفاس وقد أسفه السلطان أبو حمو بأجلابه على وطنه هو وابنه أبو تاشفين مع العرب أيام مغيبه بمراكش فأجمع الرحلة إلى تلمسان وخرج في عساكره‏.‏وراجع يوسف بن علي الطاعة ورحل معه في جموعه‏.‏وبلغ الخبرإلى السلطان أبي حمو فتردد بين الحصار بتلمسان ومفارقتها‏.‏وكان بينه وبين ابن الأحمر صاحب الأندلس مواصلة ولابن الأحمر دالة على السلطان أبي العباس كما مر‏.‏فكان يخفض له الشأن في قصد تلمسان ويلبثه عنها فيعطيه المقادة في ذلك فيعلل هو السلطان أبا حمو بأن السلطان أبا العباس لا يصل إليه‏.‏ثم أجمع السلطان أبو العباس أمره ونهض على حين غفلة مغذاً إلى تلمسان‏.‏وتقدم الخبر إلى أبي حمو فأجمع مفارقة تلمسان بعد أن أظهر لأوليائه وأهل دولته أنه على الحصار‏.‏ثم خرج حين غشيه الليل إلى معسكره بالصفيف وافتقده أهل بلده من صبيحتهم فتبادر أكثرهم إليه متعلقين بأذياله خوفاً من معرة العدو ثم ارتحل يطوي المراحل إلى البطحاء ودخل السلطان أبو العباس تلمسان واستولى عليها وجهز العساكر لأتباع أبي حمو وقومه فأجفل من البطحاء ولحق بتاجحمومت فاعتصم بمعقلها‏.‏ولحق به ابنه المنتصر من مليانة بما كان معه من الذخيرة فاستمد بها وأقام هنالك عازماً على الامتناع والله تعالى أعلم‏.‏

  رجوع السلطان أبي العباس إلى المغرب واختلال دولته

ورجوع السلطان أبي حمو إلى ملكه كان السلطان أبو العباس لما استولى على مملكة تلمسان طير كتبه ورسله بفتحها إلى ابن الأحمر صاحب الأندلس ويعتذر له عن مخالفة رأيه في الحركة إليها‏.‏وقد كان ابن الأحمر أسفه ذلك إلى ما انضم إليه من النزعات الملوكية التي يؤسف بها بعضهم بعضاً وهو يطوي جوانحه عليها واطلع على فساد طاعة السلطان أبي العباس في أهل دولته ونغل ضمائرهم له فأزعج لوقته موسى ابن السلطان أبي عنان من أعياص ملكهم كان عنده بالأندلس وجهزه بما يحتاج إليه ويبعث في خدمته مسعود بن رحو بن ماساي وزيرهم المشهور وأركبه السفن إلى سبتة فنزلوا بساحتها أول ربيع سنة ست وثمانين واستولوا عليها‏.‏ثم تقدموا إلى فاس فنازلوا دار الملك أياماً وبها محمد بن عثمان القائم بدولة السلطان أبي العباس والمستبد عليه واشتدوا في حصارها وتوافت إليهم الأمداد والحشود فداخله الخور وألقي بيده‏.‏ودخل السلطان موسى إلى دار الملك تاسع عشر ربيع الأول من السنة وجلس على أريكته وأتاه الناس طاعتهم‏.‏وطار الخبر إلى السلطان أبي العباس بتلمسان وقد تجهز الأتباع لأبي حمو‏.‏ونزل على مرحلة من تلمسان بعد أن أغراه ونزمار بن عريف أمير سويد بتخريب قصور الملك بتلمسان وكانت لا يعبر عن حسنها اختطها السلطان أبو حمو الأول وابنه أبو تاشفين واستدعى لها الصناع والفعلة من الأندلس لحضارتها وبداوة دولتهم يومئذ بتلمسان‏.‏فبعث إليهما السلطان أبو الوليد صاحب الأندلس بالمهرة والحذاق من أهل صناعة البناء بالأندلس فاستجاثوا لهم القصور والمنازل والبساتين بما أعيا على الناس بعدهم أن يأتوا بمثله فأشار ونزمار على السلطان أبي العباس بتخريب هذه القصور وأسوار تلمسان انتقاماً بزعمه من أبي حمو وأخذا بالثأر منه فيما اعتمده من تخريب دار الملك بتازى وتخريب قصره هو بمرادة فأتى عليها الخراب أسرع من لمح البصر‏.‏وبينما هو في ذلك وهو يروم السفر لأتباع أبي حمو إذ جاءه الخبر بأن السلطان موسى ابن عمه السلطان أبي عنان قد استولى على دار ملكهم بفاس واقتعد أريكتهم فكر راجعاً إلى المغرب لا يلوي على شيء وترك تلمسان لشأنها وكان من أمره ما يأتي ذكره في أخباره‏.‏وطار الخبر إلى السلطان أبي حمو بمكانه من تاجحمومت فأغذ السير إلى تلمسان ودخلها وعاد إلى ملكه بها‏.‏وتفجع لتلك القصور بما ذهب من رونق حسنها ورجع دولة بني عبد الواد وسلطانهم بتلمسان‏.‏والله سبحانه وتعالى أعلم‏.‏

  تجدد المنافسة بين ولد السلطان أبي حمو ومجاهرة أبي تاشفين بذلك لهم وولايته

كان التنافس بين هؤلاء الولد خفياً على الناس بما كان السلطان أبوهم يدامل بينهم ويداري بعضهم عن بعض‏.‏فلما خرجوا أمام بني مرين وعادوا إلى تلمسان صار تنافسهم إلى العداوة‏.‏واتهم أبو تاشفين أباه بممالأة إخوته عليه فشمر لعقوقه وعداوته‏.‏وشعر السلطان بذلك فعمل الحركة إلى ناحية البطحاء مورياً بإصلاح العرب ومعتزماً على لقاء ابنه المنتصر بمليانة ليصل به جناحه ويتخطى إلى الجزائر فيجعلها دار ملكه بعد أن استخلف بتلمسان ابنه أبا تاشفين وحالفه على المناصحة‏.‏واطلع موسى بن يخلف على خبية السلطان في ذلك فدس بها إلى أبي تاشفين على عادته فطار به الأسف كل مطار وأغذ السير من تلمسان فيمن معه من العسكر وصبح أباه بأسافل البطحاء قبل أن يتصل بالمنتصر‏.‏وكشف له القناع عن النكير والتسخط على ما بلغه فحلف له السلطان على ذلك وأرضاه بالرجوع معه إلى تلمسان فرجعا جميعاً‏.‏

  خلع السلطان أبي حمو واستبداد ابنه أبي تاشفين بالمحلك واعتقاله إياه

لما رجع السلطان من البطحاء وبطل ما كان يؤمله من الاتصال بالمنتصر دس إليه مع خالصة من أهل دولته يعرف بعلي بن عبد الرحمن بن الكليب بأحمال من المال يودعها عنده‏.‏إلى أن يجد السبيل لحاجة نفسه‏.‏وكتب له بولاية الجزائر ليقيم بها حتى يخلص إليه‏.‏واطلع موسى بن يخلف على ذلك فأطلع أبا تاشفين على الخبر‏:‏ فبعث في أثره من حاشيته من اغتال ابن كليب في طريقه‏.‏وجاء إليه بالمال والكتب فاطلع منها على حقيقة أمرهم وأنهم متربصون به فاستشاط وجاهر أباه وغدا عليه بالقصر فوقفه على الكتاب وبالغ في عذله‏.‏وتحيز موسى بن يخلف إلى أبي تاشفين وهجر باب السلطان وأغرى به ابنه فغدا على أبيه بالقصر بعد أيام وخلعه وأسكنه بعض حجر القصر‏.‏ووكل به واستخلص ما كان معه من الأموال والذخيرة‏.‏ثم بعث به إلى قصبة وهران فاعتقله بها‏.‏واعتقل من حضر بتلمسان من إخوته وذلك آخر ثمان وثمانين‏.‏وبلغ الخبرإلى المنتصر بمليانة وأبي زيان وعمير فلحقوا بقبائل حصين واستذموا بهم فأذموهم وأنزلوهم عندهم بجبل تيطرى‏.‏وجمع أبو تاشفين العساكر واستألف العرب من سويد وبني عامر وخرج في طلب المنتصر وإخوته ومر بمليانة فملكها‏.‏ثم تقدم إلى جبل تيطرى وأقام في حصارهم به وهم ممتنعون عليه‏.‏والله تعالى أعلم‏.‏

  خروج السلطان أبي حمو من الاعتقال ثم القبض عليه

وتغريبه في السفين إلى المشرق لما طال مقام أبي تاشفين على تيطرى لحصار إخوته ارتاب بأمر أبيه وطول مغيبه عنه‏.‏ وشاور أصحابه في شأنه فأشاروا بقتله وأصفقوا على ذلك فبعث أبو تاشفين ابنه أبا زيان في لمة من حاشيته‏:‏ فيهم ابن الوزير عمران بن موسى وعبد الله بن الخراساني فقتلوا من كان معتقلاً بتلمسان من أبناء السلطان وتقدموا إلى وهران‏.‏وسمع أبو حمو بقدومهم فأوجس الخيفة منهم واطلع من جحران القصبة ينادي بالصريخ في أهل البلد فتبادروا إليه من كل جهة وتدلى لهم بحبل وصله من عمامته التي كان متعمماً بها فتناولوه حتى استقر بالأرض واجتمعوا عليه‏.‏وكان الرهط الذين جاءوا لقتله بباب القصر وقد أغلقه دونهم‏.‏فلما سمعوا الهيعة واستيقنوا الأمر طلبوا النجاة بدمائهم‏.‏واجتمع على السلطان أهل البلد‏.‏وتولى كبر ذلك خطيبهم وجددوا له البيعة‏.‏وارتحل من حينه إلى تلمسان فدخلها أوائل سنة تسع وثمانين وهي يومئذ عورة بما كان بنو مرين هدموا أسوارها وأزالوا حصنها‏.‏وبعث فيمن كان مخلفاً بأحياء بني عامر من أكابرهم ووجوههم فقدموا عليه‏.‏وطار الخبر إلى أبي تاشفين بمكانه من حصار تيطرى فانكفأ راجعا إلى تلمسان فيمن معه من العساكر والعرب وبادره قبل أن يستكمل أمره فأحيط به‏.‏ونجا إلى مأذنة المسجد الجامع فاعتصم بها‏.‏ودخل أبو تاشفين القصر وبعث في طلبه‏.‏وأخبر بمكانه فجاء إليه بنفسه واستنزله من المأذنة‏.‏وأدركته الرقة فجهش بالبكاء وقبل يده وغدا به إلى القصر‏.‏واعتقله ببعض الحجر هنالك ورغب إليه أبوه في تسريحه إلى المشرق لقضاء فرضه فشارط بعض تجار النصارى المترددين إلى تلمسان من القيطلان على حمله إلى الإسكندرية وأركبه السفين معهم بأهله من فرضة وهران ذاهباً لطيبة موكلا به‏.‏وأقبل أبو تاشفين على القيام بدولته‏.‏والله تعالى أعلم‏.‏

  نزول السلطان أبو حمو ببجاية من السفين واستيالؤه على تلعسان ولحاق أبي تاشفين بالمغرب

لما ركب السلطان أبو حمو السفين ذاهبا إلى الإسكندرية وفارق أعمال تلمسان وحاذى بجاية داخل صاحب السفين في أن ينزله بجاية فأسعفه لذلك‏.‏فخرج من الطارمة التي كان بها معتقلا وصار الموكلون به في طاعته‏.‏وبعث إلى محمد بن أبي مهدي قائم الأسطول ببجاية المستبد على أميرها من ولد السلطان أبي العباس بن أبي حفص‏.‏وكان محمد بن وارث خالصة المنتصر بن أبي حمو من ناشئة دولتهم قد خلص إلى بجاية من تيطرى بعد ما تنفس الحصار عنهم فبعثه ابن أبي مهدي إلى السلطان أبي حمو بالإجابة إلى ما سأل‏.‏وأنزله بجاية آخر سنة تسع وثمانين وأسكنه بستان الملك المسمى بالرفيع‏.‏وطير بالخبر إلى السلطان بتونس فشكر له ما أتاه من ذلك وأمره بالاستبلاغ في تكرمته وأن يخرج عساكر بجاية في خدمة أبي حمو إلى حدود عمله متى احتاج إليها‏.‏ثم خرج السلطان أبو حمو من بجاية ونزل متيجة واستنفر طوائف العرب من كل ناحية فاجتمعوا إليه‏.‏ونهض يريد تلمسان‏.‏واعصوصب قومه بنوعبد الواد على أبي تاشفين بما بذل فيهم من العطاء وقسم من الأموال فنابذوا السلطان أبا حمو واستصعب عليه أمرهم‏.‏وخرج إلى الصحراء وخلف ابنه أبا زيان في جبال شلف مقيماً لدعوته‏.‏وبلغ إلى تامة من ناحية المغرب‏.‏وبلغ الخبرإلى أبي تاشفين فبعث عسكراً إلى شلف مع ابنه أبي زيان ووزيره محمد بن عبد الله بن مسلم فتواقعوا مع أبي زيان ابن السلطان أبي حمو فهزمهم‏.‏وقتل أبا زيان ابن أبي تاشفين ووزيره ابن مسلم وجماعة من بني عبد الواد‏.‏وكان أبو تاشفين لما بلغه وصول أبيه إلى تامة سار إليه من تلمسان في جموعه‏.‏فأجفل أبو حمو إلى وادي صا واستجاس بالأحلاف من عرب المعقل هنالك فجاءوا لنصره‏.‏وعاود تامة فنزلها وأقام أبو تاشفين قبالته‏.‏وبلغه هنالك هزيمة ابنه ومقتله فولى منهزماً إلى تلمسان وأبو حمو في أتباعه‏.‏ثم سرح أبو تاشفين مولاه سعادة في طائفة من العسكر لمحاولة العرب في التخلي عن أبي حمو فانتهز أبو حمو به الفرصة وهزمه وقبض عليه‏.‏وبلغ الخبرإلى أبي تاشفين بتلسمان وكان يؤمل الحج عند سعادة فيما توجه فيه فأخفق سعيه‏.‏وانفض عنه بنو عبد الواد والعرب الذين معه وخرج هارباً من تلمسان مع أوليائه من سويد إلى مشاتيهم بالصحراء‏.‏ودخل السلطان أبو حمو تلمسان في رجب سنة تسعين‏.‏وقدم عليه أبناؤه فأقاموا معه بتلمسان فطرق المنتصر ابنه المرض فهلك بها لأيام من دخوله تلمسان واستقر الأمر على ذلك‏.‏والله أعلم‏.‏

  نهوض أبي تاشفين بعساكر بني مرين ومقتل السلطان أبي حمو

لما خرج أبو تاشفين من تلمسان أمام أبيه واتصل بأحياء سويد أجمعوا رأيهم على الاستنجاد بصاحب المغرب فوفد أبو تاشفين ومعه محمد بن عريف شيخ سويد على السلطان أبي العباس صاحب فاس وسلطان بني مرين صريخين على شأنهما فقبل وفادتهما ووعدهما بالنصر من عدوهما‏.‏وأقام أبو تاشفين عنده ينتظر إنجاز وعده وكان بين أبي حمو وابن الأحمر صاحب الأندلس وشيجة ود وعقيدة وصلة ولابن الأحمر دالة وتحكم في دولة أبي العباس صاحب المغرب بما سلف من مظاهرته على أمره منذ أول دولته فبعث إليه أبو حمو في الدفاع عنه بإجازة أبي تاشفين من المغرب إليه فلم يجبه صاحب المغرب لذلك وفاء بذمته وعلله بالقعود عن نصره‏.‏وألح عليه ابن الأحمر في ذلك فتعلل بالمعاذير‏.‏وكان أبو تاشفين قد عقد الأول قدومه مع وزير الدولة محمد بن يوسف بن علال حلفاً اعتقد الوفاء به فكان هواه في إنجاده ونصره من عدوه فلم يزل يفتل للسلطان في الذروة والغارب ويلوي عن ابن الأحمر المواعيد حتى أجابه السلطان إلى غرضه‏.‏وسرح ابنه الأمير أبا فارس والوزير محمد بن علال في العساكر لمصارخة أبي تاشفين‏.‏وفصلوا من فاس أواخر إحدى وتسعين وانتهوا إلى تازى‏.‏وبلغ خبرهم إلى السلطان أبي حمو فخرج من تلمسان وجمع أشياعه من بني عامر والجراح بن عبيد الله وقطع جبل بني ورنيد المطل على تلمسان وأقام بالغيران من جهاته‏.‏وبلغ الخبرإلى أبي تاشفين فقدم إلى تلمسان وجدد المكر والخديعة شيطان الشر والفتنة موسى بن يخلف فاستولى عليها وأقام دعوة أبي تاشفين فيها فطير أبو حمو ابنه عمير إليه فصبحه بها لليلة من مسيره فأسلمه أهل البلد‏.‏وتقبض عليه وجاء به أسيراً إلى أبيه بمكانه من الغيران فوبخه أبو حمو على فعاله‏.‏ثم أذاقه أليم عقابه ونكاله وأمر به فقتل أشنع قتلة‏.‏وجاءت العيون إلى أبي فارس ابن صاحب المغرب ووزيره ابن علال بمكان أبي حمو وأعرابه بالغيران فنهض الوزير ابن علال في عساكر بني مرين لغزوه‏.‏وسار أمامهم سليمان بن ناجي من الأحلاف إحدى بطون المعقل يدل بهم طريق القفر حتى صبحوه ومن معه من أحياء الخراج في مكان مقامتهم بالغيران‏.‏وناوشوهم القتال فلم يطيقوهم لكثرتهم وولوا منهزمين‏.‏وكبا بالسلطان أبي حمو فرسه فسقط وأدركه بعض فرسانهم وعرفه فقتلوه قعصاً بالرماح‏.‏وجاءوا برأسه إلى الوزير ابن علال وأبي تاشفين وجاءوا بابنه عمير أسيراً‏.‏وهم أبو تاشفين أخوه بقتله فمنعوه أياماً ثم أمكنوه منه فقتله ودخل أبو تاشفين إلى تلمسان آخر سنة إحدى وتسعين‏.‏وخيم الوزير وعساكر بني مرين بظاهر البلد حتى دفع إليهم ما شارطهم عليه من المال‏.‏ثم قفلوا إلى المغرب وأقام هو بتلمسان يقيم بدعوة السلطان أبي العباس صاحب المغرب ويخطب له على منابره ويبعث إليه بالضريبة كل سنة كما اشترط على نفسه إلى أن كان ما نذكره إن شاء الله تعالى‏.‏

  مسير أبي زيان بن أبي حمو لحصار تلمسان ثم إجفاله عنها

ولحاقه بصاحب المغرب كان السلطان أبو حمو قد ولى على الجزائر ابنه أبا زيان لما عاد إلى ملكه بتلمسان وأخرج منها أبا تاشفين‏.‏فلما قتل أبو حمو بالغيران كما قلناه خرج أبو زيان من الجزائر ناجياً إلى أحياء حصين يؤمل الكرة بهم والأخذ بثأر أبيه وأخيه فاشتملوا عليه وأجابوا صريخه‏.‏ثم وفد عليه أمراء بني عامر من زغبة يدعونه لملكه فسار إليهم‏.‏وقام بدعوته وطاعته شيخهم المسعود بن صغير ونهضوا جميعاً إلى تلمسان في رجب سنة اثنتين وتسعين فحاصروها أياماً‏.‏ثم سرب أبو تاشفين المال في العرب فافترقوا عن أبي زيان‏.‏وخرج إليه أبو تاشفين فهزمه في شعبان من السنة‏.‏ولحق بالصحراء واستألف أحياء المعقل وعاود حصار تلمسان في شوال‏.‏وبعث أبو تاشفين ابنه صريخاً إلى المغرب فجاءه بمدد من العسكر‏.‏ولما انتهى إلى تاوريرت أفرج أبو زيان عن تلمسان وأجفل إلى الصحراء‏.‏ثم أجمع رأيه على الوفادة إلى صاحب المغرب فوفد عليه صريخاً فتلقاه وبر مقدمه‏.‏ووعده النصر من عدوه وأقام عنده إلى حين مهلك أبي تاشفين‏.‏والله تعالى أعلم‏.‏

  وفاة أبي تاشفين واستيلاء صاحب المغرب على تلمسان

لم يزل هذا الأمير أبو تاشفين مملكاً على تلمسان ومقيماً فيها لدعوة صاحب المغرب أبي سالم ومؤدياً الضريبة التي فرضها عليه منذ ملك وأخوه الأمير أبو زيان مقيم عند صاحب المغرب ينتظر وعده في النصر عليه‏.‏حتى تغير السلطان أبو العباس على أبي تاشفين في بعض النزعات الملوكية فأجاب داعي أبي زيان وجهزه بالعساكر لملك تلمسان فسار لذلك منتصف سنة خمس وتسعين‏.‏وانتهى إلى تازى وكان أبو تاشفين قد طرقه مرض أزمن به ثم هلك منه في رمضان من السنة‏.‏وكان القائم بدولته أحمد بن العز من صنائعهم وكان يمت إليه بخؤولة فولى بعده مكانه صبياً من أبنائه وقام بكفالته‏.‏وكان يوسف بن أبي حمو وهو ابن الزابية والياً على الجزائر من قبل أبي تاشفين فلما بلغه الخبر أغذ السير مع العرب ودخل تلمسان فقتل أحمد بن العز والصبي المكفول ابن أخيه أبي تاشفين‏.‏فلما بلغ الخبرإلى السلطان أبي العباس صاحب المغرب خرج إلى تازى وبعث من هنالك ابنه أبا فارس في العساكر ورد أبا زيان بن أبي حمو إلى فاس ووكل به‏.‏وسار ابنه أبو فارس إلى تلمسان فملكها وأقام فيها دعوة أبيه‏.‏وتقدم وزير أبيه صالح بن حمو إلى مليانة فملكها وما بعدها من الجزائر وتدلس إلى حدود بجاية‏.‏واعتصم يوسف بن الزابية بحصن تاجحمومت‏.‏وأقام الوزير صالح يحاصره وانقرضت دعوة بني عبد الواد من المغرب الأوسط‏.‏والله غالب على أمره‏.‏

  وفاة أبي العباس صاحب

المغرب واستيلاء أبي زيان بن أبي حمو على تلمسان والمغرب الأوسط كان السلطان أبو العباس بن أبي سالم لما وصل إلى تازى وبعث ابنه أبا فارس إلى تلمسان فملكها أقام هو بتازى يشارف أحوال ابنه ووزيره صالح الذي تقدم ليفتح البلاد الشرقية‏.‏وكان يوسف بن علي بن غانم أمير أولاد حسين بن المعقل قد حج سنة ثلاث وتسعين واتصل بملك مصر من الترك الملك الظاهر برقوق‏.‏وتقدمت إلى السلطان فيه وأخبرته بمحله من قومه فأكرم تلقيه وحمله بعد قضاء حجه هدية إلى صاحب المغرب يطرفه فيها بتحف من بضائع بلده على عامة الملوك‏.‏فلما قدم يوسف بن علي بها على السلطان أبي العباس أعظم موقعها وجلس في مجلس حفل لعرضها والمباهاة بها‏.‏وشرع في المكافأة عنها بتخير الجياد والبضائع والثياب حتى استكمل من ذلك ما رضيه واعتزم على إنفاذها مع يوسف بن علي على حاملها الأول‏.‏وأنه يرسله من تازى أيام مقامته تلك فطرقه هنالك مرض كان فيه حتفه في محرم سنة ست وتسعين‏.‏واستدعوا ابنه أبا فارس من تلمسان فبايعوه بتازى وولوه مكانه‏.‏ورجعوه إلى فاس وأطلقوا أبا زيان بن أبي حمو من الاعتقال‏.‏وبعثوا به إلى تلمسان أميراً عليها وقائماً بدعوة السلطان أبي فارس فيها فسار إليها وملكها‏.‏وكان أخوه يوسف بن الزابية قد اتصل بأحياء بني عامر ويروم ملك تلمسان والأجلاب عليها فبعث إليهم أبو زيان عندما بلغه ذلك‏.‏وبذل لهم عطاء جزيلاً على أن يبعثوا به إليه فأجابوا إلى ذلك وأسلموه إلى ثقات أبي زيان‏.‏وساروا به فاعترضهم بعض أحياء العرب ليستنقذوه منهم فبادروا بقتله وحملوا رأسه إلى أخيه أبي زيان فسكنت أحواله وذهبت الفتنة بذهابه واستقامت أمور دولته وهم على ذلك لهذا العهد‏.‏وقد انتهى بنا القول في دولة بني عبد الواد من زناتة الثانية وبقي عليها خبر الرهط الذين تحيزوا‏.‏منهم‏:‏ إلى بني مرين منذ أول الدولة‏:‏ وهم بنو كمي من فصائل علي بن القاسم إخوة طاع الله بن علي وخبر بني كندوز أمرائهم بمراكش‏.‏فلنرجع إلى ذكر أخبارهم وبها نستوفي الكلانم في أخبار بني عبد الواد‏.‏والله وارث الأرض ومن عليها وهو خير الوارثين‏.‏